كلمة لابد منها

 بسم الله الرحمان الرحيم

{يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي } صدق الله العظيم.

أيها الأحباب إني لست في صحة جيدة لأقف بين أيديكم لأقول كلمة تأبين في حق المؤمنة المشمولة برحمة الله الواسعة السيدة حسناء حرم أخينا عبد اللطيف, لكن لاتستغربوا إذا قلت لكم  أنها طلبت مني ذلك وهي تسلك من أوعر ممرات سبيل مرضها ,بالرغم من أنني قلت لها "لهلا إعيشني حتى نحضر لموتك" ولكن مشيئة الله هي الواقع و شاء القدر أن أحضر يوم فراقها وأشارك في تشييع نعشها ودفنها ويدفن بذلك في قلبي حزن بإسمها وتبقى في ذاكرتي هذه السيدة إحساسات وصور وما أحر الدمع الذي كوى خدود الأحباب وانهمر وعصر القلوب و شد الحناجر,و الفؤاد انكسر. هذا الفراق الذي أرغمني على البكاء على كبر ورماني في ركن أتقطع وأتحسر .     

لا بأس يا بنتنا شاء الله غير مشيئتنا و مشيئة الله هي خير وأحسن انتقلت إلى جوار الله وبقي أحبابك في رحاب الدنيا يجنون الحسنات و السيئات وكان الله في عون الأحياء على فعل الخير وتجنب السيئات بأنواعها . 

أما وقد تتبعت كل مراحل حياة المرحومة منذ أكثر من 22 سنة  واستنتجت أن تمنيت صبرها,وتمنيت قناعتها وتمنيت  كيف تصنع السعادة من لاشيء وتمنيت أن أبتسم كما تبتسم  والألم قد ألم بها وتمنيت إيمانها و وكانت إذا وخزها الألم فجأة اهتز بدنها وهي تقول الله أكبر,وتبتسم بعدها وهي تقول الحمد لله وقد عصر وجهها .هذه السيدة ذات  القلب الكبير كانت إذا أعطت ونحن نعلم سعتها فهي تعطي بسخاء وإذا أعطت أيضا فهي تعطي ما تحب .هذه السيدة التي واظبت على صلة الرحم قبل زواجها وبعده ولم تتحجج بعبئي تنقلها وأصرت على زيارة الأحباب وعيادة المريض حتى وهي مريضة يلسعها الألم في كل خطوة وهي في طريقها لزيارة الوالدين و الإخوان أو حبيبة أوقريب ,زارت الأحباب وعادة المريض,وأكثر من 22سنة اجتمعنا فيها كثيرا مع هذه السيدة وأغلب الظن يرجع لها الفضل في ذلك ,ولم أسمع قط من فمها كلمة شكوى , كلمتين كانتا تجريان على لسانها هما ألله أكبر عند شعورها بالألم والحمد لله عندما يمر هذا الألم وابتسامة.أما بداية   مشوار رحلتها مع الألم فكانت شاقة ولم تكن المرحومة  تصاب بالقرف ولا بالملل أما في رحلة مرضها الثانية  وهي أشقى وأصعب فقد قضتها في صمت وألم.هذه السيدة التي أحبت الكبار كما الصغار.

كانت إذا انتقت ككل النساء شيئا لنفسها ولاحظت أن إحدى قريباتها أعجبت بهذا الشيء فإنها تنزعه من عليها وتعطيه إياها بكل كرم وسخاء‘سألتها في إحدى المساءات إنك تشترين حاجاتك وأنت في أمس الحاجة إليها وإنك تقدينها من ضيق مالي وتحصلين عليها بالكاد ثم تهدينها هكذا بهذه السهولة فتجيب المرحومة أولا" كلشي ديال الله "‘ثانيا عندما أشتريها بالرغم من الضيق فأنا أحس أن الله أهداني إياها وأشكر الله على ذلك وأحس بكرمه الواسع ولكني يا أخي اليوسفي أحسُ بنشوة أكثر وأكبر عندما أهدي هذا الشيء لغيري لأني أحسٌ بالتقرب من الله وأتمنى أن يحس أصحاب الأموال الكثيرة هذا الإحساس ثق بي والله ما يبقى فقيرا واحدا في هذه الأمة وسألتها عن عبد اللطيف فقالت و الخجل قد صبغ محياها "عبد اللطيف مركبي وأنا مركبه هو أملي وأنا مريضته هو شمعتي وضوئي وأنا قدره".وقالت: عن والديها "هما سبب وجودي وطريق الجنة ".وقالت لي: من غير أن أسألها  "أما وليداتي فهم تربيتي وامتدادي وهم الأبجدية التي أنا وعبد اللطيف نكتب بها قصة حياتي التي قد تكون قصيرة " قالت:

"إحسان هي صفحة البداية(بنيتي مسكينة هادئة ظريفة عزيزة علي وتسمع مني)."

"إسراء لذة حياتي وف قلبي وصوتها جميل عندما ترتل القرآن."

 أما محمد" فهو عصفور في قلبي وعقلي. كنتمنى من الله يكبروا قدامي".

وسألتها عن الألم فقالت:"إن هذا الألم- يا أخي-  الذي يظن الناس أني أكرهه فأنا لا أكره شيئا أعطانيه الله ولكني أقاومه وأستمد منه قوتي، و لا علاقة بين المرض والموت، المرض يجب محاربته والأعمار بيد الله، هذا الألم يزيدني تسبيحا وإيمانا، وإن الحزن الذي ينتابني من إحساس أنني قد أترك أسرتي وأحبابي فهو يقربني من الله أكثر، كل هذه الأشياء تجعلني أظن أن الله يراقبني كثيرا ويرعاني وقالت من غير أن أسألها الناس يحبون الدنيا لأن فيها الأحباب وفيها الحياة وهم لا يشعرون بأنها زائلة، بالرغم من أنهم سيتركونها وراءهم، أما الله والحياة فموجودان حتى بعد الممات، وأما الأحباب فقد نجدهم كذلك بعد الممات لذلك من الأجدر أن يواظب أفراد الأسرة كلهم على الصلاة وأن يحسنوا أعمالهم بذلك لا حزن على الميت وحتما نلتقي عند الله". ولما أقعدها المرض وغلبها استسلمت بعد مقاومة كبيرة واستماتة قوية. زرتها ودخلت غرفتها رغم الوهن والضعف والتزامها الفراش جلست في حضرتها على كرسي قصير ورأيت وشاهدت ولمحت شيئا بين قسمات وجهها الضعيف شيئا قويا جعلني بالرغم من تجربتي في مثل هذه المواقف- أقول- جعلني أرتبك فعرفت أنه إيمانها وهل سمعتم عن بطل ينتصر والمرض يحضنه؟.

ألقيت عليها السلام فردت بصوت واهن فقلت لها والألم يعصر قلبي "أنا اليوسفي أبوك الثاني" فأصدرت صوتا لم أفهم من خلاله معنى ولكنه طيب فأحسست أنها تريد أن تبتسم كعادتها ولكنها لم تستطع وأحسست أنها تريد أخذ يدي ولكن لم يتركها المرض ودعوت لها الله بالشفاء وتخلل مسمعي صوتها تقول كدائما الحمد لله من غير أن تتكلم وخرجت من عندها لكي لا أجهدها وخجولا منها لأنني لم أعودها أن نتكلما بضع كلمات, في تلك الليلة رجعت لمنزلي مكسور القلب ظلت في ذاكرتي تشغلني كثيرا و استرجعت حياتها وهي تكبر أمامي إلى غاية رقادها على سرير المرض,غلبني النوم  واستيقظت في الصباح على رنات الهاتف الذي يبلغني رحيل بنتنا وأختنا المؤمنة الفاضلة, القارئة للقرآن, الراكعة, الساجدة , الذاكرة, القائمة الليل .

رأيتها ممددة في الفراش لا حراك, لا حياة وممددة بين يدي الله في آخر محطة حياتها التي تتبعتها دائما,وقد تخلص بدنها من وخزات الألم, هادئة تماما كما لو كانت فقط تنام, وأحسست بأنها في النهاية , وأنها قد انتصرت على الألم وكانت تصر على الانتصار , وكان لها ذلك ولكن كلفها حياتها . وراحت تنتظر جثثها الغسل ولقد تقبل الله روحها لبداية حياة أخرى بدون ألم ولقد رأى فيها أكثر من رجل وامرأة رآى قبيل موتها سبحان الله. ومن دون شك سوف يعوضها الله أهلا خيرا من أهلها , وصحة خير من صحتها , ونورا وأنوارا وخيرات لا محدودة ولا محصورة ولا مقطوعة ولا ممنوعة وهاهي قد خرجت من حياة  قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الناس نيام إذا ماتوا استيقظوا" فأما هي فسوف تستيقظ على خيرات الله و نعيمه إن شاء الله ولا يسعني الساعة إلا أن أقول لله الأمر من قبل و من بعد و"إنا لله وإنا إليه راجعون".

اللهم ارحمها وارحم موتانا وأفسح لها في قبرها على مد بصرها  وبدل اللهم سيآتها حسنات واجعل قبرها روضة من رياض الجنة واجعل عملها عملا حسنا يؤنسها في قبرها إلى يوم النشور آمين

الفاتحة على روح المرحومة:

"الحمد لله رب العالمين الرحمان الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين ".

 والسلام عليكم ورحمة الله و بركاته.         

اللهم صل على سيدنا محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين و ذريته وآل بيته كما صليت على آل سيدنا إبراهيم إنك حميد مجيد.

بقلم : ذ. محمد يوسفي.