وفاء لخير النساء  

 

أعيـني سِحَّـا بدمع الوفـاء *** فإن الدمــوع لمثلي عـزاء

 كريمة مــاتت ولا من أنيس *** سوى مــا يمدد في البـرحاء

 ففي كل مــا خلفتـه معين *** على الحـزن مهما ادعيت الهناء

 وقـول الحبيب يُسَلِّي الفؤاد *** ألا ليس في الدمـع والحزن لاء

 إذا كـان قلبك دون اعتراض *** وهـل لِلْمُسَلِّمِ إلا الرضــاء

 وكيف يَحِلُّ لعيني الجفــاف *** وقـرتها أَصْبَحَتْ في اختفـاء

 وكيف يحـل لقلبي السكـون *** وملْءُ الشغاف أجاب النـداء

 يقول ابنهـا هل أنـا في منـام *** ألا طمئنــوني برب السماء

 ومن ذا يصدق هذي الوفــاة *** ومن فُقِــدَتْ هي رمز النماء

 أتت من رباط حوى مؤمنـات *** لذكر الإلـــه وَرَصِّ البناء

أتت كـلها أمـل ورجــاء *** أتت كلـها فرحـة وبهــاء

أتت كـلها طيبة وبـــراء *** من الحــول في ذلة وامِّحَـاء

تقــص علينا بريد السمـاء *** وما قد حبــاها به في سخـاء

 وتحكي لنـا عن رضى واحتفاء *** من المومنــات وطيب ثنـاء

 كــأن كريمتنــا بينهـن *** عــروس تزف بأغـلى هِدَاء

 تقـص رؤى عن حبيب الإله *** عن المصطفى كيف حف اللقـاء

برحمته منذ رَفْـعِ الستــار *** إلى أن خَتَمْــنَ اللِّقَا بالدعـاء

وَكُنَّ يعــانقنها بانتشــاء *** وَكُنَّ يُقَبِّــلْنَهــا بحبــاء

فقد أخبر الزوج عنـها وقـال *** حبـاني إلهـي بخير النســاء

ببنت الأصـول سليل الفحول *** جميـل الخــلال عديم الكفاء

حباني بمن إن أمرت استجـابت *** ومن إن نظـرت رأيت الرُّواء

ومن إن نأيت وطــال انتظار *** فخــير وِكاء لخيـر وعـاء

هـي العون عند البـلاء تجده *** ومـن مثلهـا سُلوة في البـلاء

وبيت الكـريمة نعـم المـلاذ *** لطـالب علــم وراجي العلاء

ينـام النـزيل قرير الفـؤاد *** ومضجعــها يشتكي من جفـاء

لها في النصيـحة  سبق اقتحام *** وفي شُعبـة الحي حسن البـلاء

وجــار الكريمة ليس يُضام *** وكيف يضــام وفيها إبـــاء

 ويحـــظى منير بخير الثناء *** ويَنسى المُكــرَّم جُند الخفــاء

 هي الأم والأخت والمستشـار *** وحكمتهـــا حِمية ووِجـاء 

لهـا نظر ثـاقب في الأمـور *** فأبشــر إذا كـان منها ارتياء

 وإن كُلِّفت سهـرت لا تبالي *** ولم تغمض العين حتى الضّحــاء

 وكـم من رؤى بشرتها بموت *** على سَنَنِ الصّفــوة الشهداء؟

 وأين شهادة هدم الجُســوم *** بكُبرى هي البـذل حتى الفناء؟!

 بسبقٍ وصِـدقٍ وعمْق ورِفْقٍ *** وذوق وحذق بـدون ريـــاء

 وعلــم الرواة وحلم الثقاة *** وعــزم الأباة وذل الإمــاء

وفي بيتهــا راحة واكتفـاء *** لشيء جميــل بلا غُلَــواء

نظيـف عفيف لطيف ظريف *** أصيـل قليـل خفيـف الأداء

فمَــن هذه مِن مُنير تجلَّت *** بأحـلى صفـات وأغلى كِساء؟!

بلَبس التُّقى والنقا والصـفاء *** ولَبْس الهـدى والرضى والحياء

ولكن رُؤْيتَــكَ البَدْر تُغْنِي *** عن الخبــر الصدق كلَّ الغَناء

 أتينـا بها من عَروس الشمال *** رجعنــا إلى دُرَّةِ الأوليــاء

كما وُدِّعت بالرضى والبكاء *** كذا استقبلت بالرضى والبكـاء

روت ما روت في طريق الرجوع *** لأغلى مُقيم بـأحلى ثَـواء

 وقالت وصـال بعيد الزوال *** بعطف مـلاك ولطـف زُقـاء

 متى نقتـني مسبحـا للصغار *** بذا قـد وَعَدْتَ فأيـن الوفاء؟

من الظهر حتى قُبَيْل الغروب *** ونحـن نداري وصـال البـراء

إلى أن أجبنا نـداء الوصـال *** مضينا لمرجـان قبل العِشـاء

ولم نـدر كيف رمتنا الطريق *** إلى حـافة حـل فيهـا البـلاء

 كـريمة فاضت دماها الغزار *** ولم يبق إلا حَسـيس ذَمــاء

أتى الناس من كل حدب وصوب *** وقد هالهم ما رأوا في الخلاء

صيـاح تعالى ولا من مجيب *** كريمــة في خطـر وعنــاء

 وإسعاف مغربنا في غياب *** إلى أن أجـابت لداعي القضـاء

 تمنيت لو في الحيـاة رجـاء *** تمنيت لو في العيــون عمـاء

ووالدة الحب تـدعو الإله *** ألا فـلأكنْ يـا رحيـم الفداء

وقيـل تواروا، ألا من غطاء *** وغـطى مُحَيَّى الحبيب الرداء

ألا دثـروني ألا زمــلوني *** فدمعي وحزني إلى الشرع فـاء

ولكن قولي بـريد الرضـاء *** ويفعل ربـــي بنا ما يشـاء

أيا بنت "رحَّال" قطب الصلاح *** عهدنـاك راحلة في المضاء

رحيلُك عنّا يُــرَى كانتهاء *** وللمؤمـن الموت محضُ ابتداء

فَدُنْيَاكَ طيف وعمركَ ضيـف *** سحـابة صيف رُغىً وغُثَـاء

رجعنا إلى الدار لا من قـرار *** وجـاءت إلينا ضيوف العَـزاء

مضوا والدجى في جنانا رهيب *** وأقوى الهموم هموم المسـاء!!

متى ينجلي الليل بعد انتظار *** وصبـحي يخبِّئُ أَدْهـى خَبـاء

أعينيّ سحّـا بدمع الوفـاء *** فإن الدمــوع لمثلي عــزاء

توالتْ وفُود العـزاء عليها *** وكم من مُعَزٍّ بمثل الصِّــلاء

مـددت إليها يَداً في حيـاء *** أَمطْتُ اللِّثام كشفت الغِطـاء

إذا بي أمـام جميل المُحَيَّـى *** محيـىًّ جميـلا بأبهى سَنــاء

تذكَّرت يا ليتني مـا ذَكَرت *** نُهــىً كلها عزمَةٌ ومضـاء

مَهًا كــلها خفَّة ووَحاء *** يــدا كلها رقة وعطـــاء

فلم أتمالك دمـوعي ففاضت *** ولم أتمـاسك وكيف استواء؟

إلى أن أتى عصْـر دفن بما لم *** يكن في حساب ولا في البَدَاء

أُلوف أتت من قريـب وبعد *** تُحَيي، تُعَزي، وتُزْجِي الدعـاء

وفي القبر حفـت حشود بأيد *** تواري الفقيدة بيت الجــزاء

وفي اللحد فك العقـال بأيدي *** وعاينت وجها لعيني أضــاء

تلونا من الذكر آيـات وعظ *** وموعظة المــوت آي سـواء

 فوعظ بنطـق ووعظ بصمت *** عسى أن تلـين ذوات الجفـاء

ومسك الختـام كــلام وليٍّ *** من الشـرق جاء بأغلى عزاء

تــلاه دعاء من القلب تهفو *** له النفــس ترجو تمام الشفاء

وقد ظلل القـبر بعض الغمام *** ورطبـت الجو بنت السمــاء

وكـان لهم في الأخير التماس *** بــأن أشكر الناس قبل الجلاء

شكرت بكيـت وأَثْنَيت خيرا *** لنــا موعد في مقام البقــاء

وآخر في ثلث ليــل الهجود *** دعاء لربــط القِرى بالضيـاء

وثالثــها موعد كلَّ يــوم *** تجدده الأم صبــح مســاء

يجــدده نجلـها والبنــات *** حبيبــاتها في العُرَا والثَّلاء

رجعـت إلى الدار دون لباس *** دمـوعي كَسَيْلٍ وصبري جُفاء

ولا سَكَنٌ فالسكينة غــابت *** وهل بعــد أم وزوج رخاء؟!

 ولم يبـق إلا عــزاء الحبيب *** بسلهــامه كُفِّنَتْ والرُّوَاء

يقــول هو الله خير وأبـقى *** فصبر الفتى هو عين الرِّبـاء

 أليست كريمة بنـت البتـول *** أليسـت كريمـة أخت وفاء؟!

أليست بـأم وصال ويسرى *** "محمدُ" "هـاجر" يــا للرِّفَاء

وخــالتها أمها لا جـدال *** خــديجة من ثبتت باعتنــاء

ويــاسين والـدها لا مراء *** فنعم الأبــوة نعـم الـولاء

وفي حفــل تأبينها في المساء *** تحــدث فتح  وبالفتح جاء

وأنشد مــدحا غُلامُ الإخاء *** وقـــابوش أثنى فعم الصفاء

ومســؤولنا بالشهادة وفى *** وقـدم محمدنــا مـا أفــاء

به قلب عشّــابنا من أقاح *** فسحت عطــورٌ وفاح كِبَاء

ومن "نَـدْيَةٍ" كلْمة من جَنان *** غـزتنا بمـا يُعْجِبُ الفصحـاء

ولم يبـق إلا رجــاء منـير *** بأن يستعيـن على الحلفــاء

هـوى النفس إبليس والقرناء *** بدعوة إخوانــه الشفعــاء

بــرابطة الأشْعري سداهـا *** وداد غطـــارفة رحمــاء

وكــان الختام وأي ختـام *** كـلام الشريف، زكي الإتاء

فاثنى وثنى بأرقى دعـــاء *** وصلى وسلم بعد الدعـــاء

 عـلى حِبِّ قلبي إليه اشتياقي *** وموت الحبيب لجـرحي دواء

 صــلاتي عليه تسكن قلبي *** ومَن مثلهــا للقـلوب رَواء؟

صلاتي على الآل والصحب طُرًّا *** ومن هم لبئـر الأسـاة دلاء

فأنزل إلهــي شآبيب فضل *** على من فقــدنا وحقِّق رجـاء

 

بقلم : ذ. منير ركراكي

 16 من جمادى الآخرة 1426هـ الموافق لـ 21 يوليوز 2005م