آخر تحديث :  الجمعة 20 محرم 1433هـ الموافق 16 دحنبر  2011 م

الرباط : وفاة أخينا الحسين بورحيم // اسفي : وفاة اخينا جمال الروداني //  مراكش : وفاة الدكتور المهدي الدرقاوي// الدار البيضاء : وفاة أخينا ابراهيم اوجاهوك //

 

 

إخواني، تفكروا في الذين رحلوا أين نزلوا، وتذكروا أن القوم نُوقشوا وسُئلوا، واعلموا أنكم كما تعذلون عذلوا، ولقد ودوا بعد الفوات لو قبلوا.

يقول أبو العتاهية:

سألت الدار تخبرني           عن الأحباب ما فعلوا.

فقالت لي: أناخ القوم           أياما وقد رحلوا.

فقلت: فأين أطلبهم              وأي منازل نزلوا؟

فقالت: بالقبور وقد             لقوا والله ما فعلوا

أناس غرّهم أمل                فبادرهم به الأجل

فنوا وبقي على الأيام          ما قالوا وما عملوا.

وأثبت في صحائفهم           قبيح الفعل والزلل

فلا يستعتبون ولا              لهم ملجأ ولا حيل.

ندامى في قبورهم               وما يغني وقد حصلوا

 

أين من كانت الألسن تهذي بهم لتهذيبهم، وأصبحت فلك الاختبار تجري بهم لتجريبهم. أقامت قيامتهم؟ منادي الرحيل لتغري بهم لتغريبهم، فباتوا في القبور وُحْدَانا لا أنيس لغريبهم. أين أهل الوداد الصافي في التصافي؟ أين الفصيح الذي إن شاء أنشأ في القول الصافي؟ أين قصورهم التي تضمنتها مدايح الشعراء؟ صار ذكر القوى في القوافي، لقد نادى الموتُ أهلَ العوالي والقصور العوالي الطوافي: تأهبوا لقدومي، فكم غَرْثان طوى في طوافي! رحل ذو المال وما أوصى في تفريق كدر أو صافي، ولقي في مره أمرا مرّا لا تبلغه أوصافي، ذاقوا طعام الآمال فانتزع من أفواههم يوم المآل، وعاد الخوى في الخوافي، عوى في ديارهم ذئب السقام بتكذيب العوافي، انقطعت آمالهم وصار كل المنى في دفع المنافي، تزلزل ودّ أحبابهم والتوى وبتُ ألتوي في التوافي، تالله لقد نال الدود والبلى ما أرادا منهم وألفيا في الفيافي، آلت قبورهم إلى الخراب أولا، فلا يدري أهذا قبر المولى أو لا، وهم سواء في السّوافي، كم أعرضوا عن نصيح وقد رفعوا ما تلافى التلافي! كم ندموا على ضياع زمانهم الذي خلا في خلافي! كم رأيت عاصيهم قد أعرض عني إلى عدوى والتجأ في التجافي! أما أخبرتهم بوصف النار أنها (نزاعة للشوى) في الشوافي؟ فاعتبر بحالهم فإنه يكفّ كفّ الهوى وهو الواعظ الكافي. أين الأبصار الحدائد قبل إحضار الشدائد؟ أما استلبت القلائد من ترائب الولائد؟ لا بد من إزعاج هذا الراقد فيقع الفراق بين فريق الفراقد؟ يا موثقا في حبالة الصائد! والله ما كذبك الرائد. يا عمِيَّ البصيرة ولا قائد، كم أضرب في حديد بارد!...

 

من كتاب المدهش لأبي الفرج ابن الجوزي رحمه الله.

 

 

   
   
Web Page Counter
 free counters