الشهيد القائد جمال سليم

 

مدرسة للأجيال

 إذا كانت نابلس قد اشتهرت عبر تاريخها بجبليها "عيبال" و"جرزيم"، فإنّ المؤرخين سيضيفون إليهما نجمين آخرين سطعا في سماء المجد والكرامة؛ هما القائدان الشيخان جمال سليم وجمال منصور، فمن الصعب على أحد أن يتناول شخصية الداعية العالم والقائد جمال سليم بمعزلٍ عن شخصية المفكر السياسي جمال منصور، فكِلا القائدين شكّلا حلقة متكاملة، ضامِّين بين جنباتهما سيلاً من الفكر ونهراً من البذل والعطاء، وأستاذية متقدمة في القيادة والسياسة.

ويصفهما أحد الإعلاميين بقوله "لقد اجتمعت عليهما الكلمة اجتماعاً لم يكن لغيرهما، وانفردا بخصائص زكية ولطائف بهية جعلتهما نمطاً فريداً، ولربما كان من اللطائف العجيبة أن يتطابق الاسمان فيهما تطابقاً جمالياً فريداً؛ أحدهما يمثّل السلامة في القلب، والثاني يمثّل النصر في العقل وقوة الحجة والبيان."

لقد كان من أبرز ما اشتهر به الجمالان قدرتهما على تحريك الشارع الفلسطيني بخطبهما الحماسية وأفكارهما الجريئة، خاصة فيما يتعلق بقضيتي القدس واللاجئين، وعلى المستوى الحركي اشتهرا بتأكيدهما على أهمية ممارسة الحركة الإسلامية للديمقراطية داخل أطرها التنظيمية.

جمال سليم خطيب حماس البليغ

ولد القائد جمال سليم في مدينة نابلس عام 1958 لأسرة عرفت بتديّنها، درس المرحلة الابتدائية والإعدادية في مدارس وكالة الغوث وتخرَّج من المدرسة الصلاحية الثانوية بنابلس عام 1977. ليكمل دراسته الجامعية في الجامعة الأردنية ويحصل على بكالوريوس في الشريعة الإسلامية عام 1982، وتتلمذ خلال دراسته الجامعية على يد مجموعة من العلماء والشيوخ منهم الشيخ عبد الله عزام وفضل عباس ومحمد المبارك وحسب أبو عيده وغيرهم.

عاد القائد الشهيد إلى أرض الوطن و اشتغل في الإمامة والخطابة في نابلس والقرى المجاورة ثم في التدريس في المدرسة الثانوية الإسلامية بنابلس. واشتهر بخطابته ومحاضراته في مسجد "معزوز".

انشغال القائد "أبو مجاهد" بعمله لدعوته ووطنه لم يمنعاه عن إكمال تعليمه والتزوّد به، فالتحق بقسم الدراسات العليا في جامعة النجاح وحصل على شهادة الماجستير في الشريعة الإسلامية عام 1996. وكانت رسالة الماجستير التي قدَّمها بعنوان" أحكام الشهيد في الإسلام". وصدرت له نشرتان بعنوان" هدى الإسلام" و"من توجيهات الإسلام". شارك في العديد من الندوات الفكرية والسياسية والدينية والمهرجانات وكذلك في المقابلات الصحفية والتلفزيونية المحلية والأجنبية.

وسرعان ما امتد نشاطه داخل حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، بعد تأسيسها في عام 1987، وتعرض للاعتقال من قبل السلطات الصهيونية عدة مرات في سنوات 1975, 1989, 1990, 1991.

أُبعد الشيخ المربي جمال سليم مع قادة حركة المقاومة الإسلامية "حماس" إلى منطقة "مرج الزهور" عام 1992. وهناك -بالاشتراك مع أقرانه المبعدين- أصرّوا على تقديم نموذج ديمقراطي في الانتخابات التي أجريت لاختيار قيادة جماعية تتحدث باسمهم، مكونة من 17 عضوا، يعاد انتخابها مرة كل ثلاثة أشهر. وجرى أثناء مدَّة إبعادهم أكثر من أربع جولات انتخابية.

وعلى الرغم من صعوبة الإبعاد والحرمان من الوطن، فإن هذه التجربة ظلَّت حيَّةً في قلبه وعقله، وعنها يقول: "إن الإبعاد يمثل ملحمة بطولية صمودية حقيقية لأولئك الذين مثلوا الشعب الفلسطيني، وأعطوا صورة للثبات والصبر والإيمان بحتمية العودة، رغم صور العقلية الهمجية للصهيونية البشعة، التي استهدفت تفريغ الأرض عبر سياساتها البائسة التي فشلت في إطفاء جذوة الانتفاضة".

نشط الشهيد المجاهد في لجان التوعية والإصلاح وكان عضوا في لجنة المؤسسات الإسلامية والوطنية بنابلس، وشارك في تأسيس لجنة التوعية الإسلامية في المدينة وكان أمين سرّها، وساهم في تأسيس رابطة علماء فلسطين وشارك في اللجنة العليا للاحتفالات الوطنية والدينية في محافظة نابلس، كما شارك في تأسيس لجنة التنسيق الفصائلي.

وترأس "أبو مجاهد" العديد من اللجان والفعاليات، خاصة بعد اندلاع انتفاضة الأقصى في أيلول/سبتمبر2000، وكان من الأعضاء المؤسسين للجنة "التنسيق الفصائلي" في محافظة نابلس، التي كان من أهم أهدافها تنسيق المواقف بين المقاومة الفلسطينية بمختلف تياراتها في الميدان، شارك في الحوار الذي جرى في القاهرة بين السلطة الفلسطينية وحماس عام 1994.

وبعد أن تم اختياره أمين سر لجنة التوعية الإسلامية وأمين سر رابطة علماء فلسطين في نابلس، أخذ يركز في لقاءاته الجماهيرية على دحض فكرة عدم قبول الإسلاميين للآخر، واختيارهم الديمقراطية كخيار تكتيكي لا إستراتيجي، بهدف الوصول عن طريق صناديق الاقتراع إلى السلطة، ثم الانقلاب على العملية الديمقراطية برمتها بعد ذلك.

وكانت هذه هي التهمة التي روّج لها الإعلام الغربي بقوة آنذاك، خاصة في طيَّات أزمة الجزائر وتدخّل الجيش في انتخابات البلديات أوائل التسعينيات من القرن الماضي، والتي كانت فيها الحركة قاب قوسين أو أدنى من الفوز بها. ومن كلمات الشيخ سليم المشهورة في هذا الأمر: "إن الحركة الإسلامية تقف بكل ما أوتيت من قوة ضد الحكم الفردي الديكتاتوري والاستبداد السياسي وظلم الشعوب، وترفض أن تسير في ركاب أي ديكتاتور مستبد، وإن أظهر الود لها".

صوت اللاجئين

قضية اللاجئين الفلسطينيين كانت من أهم القضايا التي شغلت الشيخ جمال سليم، والتي عدَّها "لب الصراع العربي الصهيوني، وتجسيدا لمأساة شعب، دُمّر من قراه أكثر من 530 قرية"، واعتبرها أطول جريمة ضد الإنسان الفلسطيني، وقضية متوارثة لا تموت طالما بقي فلسطينيون يتوالدون ويتناسلون.

كما يؤكد على ضرورة التفريق بين حق العودة وحق التعويض أثناء الحديث عن قضية اللاجئين الفلسطينيين، وعن هذا الأمر يقول: "حق التعويض ليس بديلاً عن حق العودة، وإنما هو حق ملازم لعودة اللاجئين. فالتعويض يهدف إلى إصلاح الضرر ودرء المعاناة المادية والمعنوية، التي لحقت باللاجئين الفلسطينيين خلال نصف قرن من الزمن، ولكنه لا يعتبر بحال تعويضاً عن الأرض أو بدلاً عن حق العودة. فالتعويض بدلاً عن حق العودة بيع للوطن وتفريط في الأرض، وشعبنا لا يبيع أرضه ووطنه أبدا"

ورفض الشيخ فكرة العودة الجزئية لبعض الفلسطينيين إلى مناطق السلطة الفلسطينية أو العودة الفردية للجيل الأول إلى فلسطين المحتلة                1948كحل إنساني ضمن إطار جمع شمل العائلة، وعدَّ هذه الأطروحات والدعوات التفافاً على حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وأوطانهم.

إنسان حنون

وإذا تطرَّقنا إلى صفات القائد الشهيد جمال سليم، فتصفها زوجته أم مجاهد بقولها: "كان الشهيد -رحمه الله- الزوج المحب والأب الحنون العطوف، الذي لا تشغله أعباء الدعوة عني وعن أبنائه، يحب أولاده حباً عظيماً. كان يعاملهم كأصدقاء ويربيهم على الإيمان وحب الوطن، ويزرع في نفوسهم الشجاعة والكرامة، كان يلاعبهم ويمزح معهم، ويضفي على البيت جواً من المرح والسرور."

وتضيف: "كان الزوج المخلص؛ يعاملني أفضل معاملة، حياتنا كانت قائمة على التفاهم والوفاق، والسعادة.. من صفات الشهيد رحمه الله التواضع، ومن تواضع لله رفعه، كان يستقبل في بيته الكبير والصغير، ويحلّ مشاكل الآخرين ويقف معهم في الأزمات. وعرف الشهيد بزهده فلم يهتم في يوم من الأيام أو يسعى لسمعة أو شهرة. وعرف بخفة ظله وحب المرح والفكاهة وكانت الابتسامة لا تفارقه رغم المسؤوليات الجسام التي كان يقوم بها، لم يكن في قلبه حقداً لأحد من المسلمين والجيران والأقارب."

وتكمل بقولها: "الشهيد رحمه الله من الخطباء المفوهين والمعدودين في مدينة نابلس، وكان معظم الناس وخاصة الطبقة المثقفة يحرصون على سماع خطبه القيمة، أبو مجاهد -رحمه الله- كان المعلم المخلص المتفاني في عطائه، وتخرج على يده الآلاف من الطلاب الذين غرس في نفوسهم حب الله وحب الرسول وحب العلم والعمل والجهاد والرجولة، ونال الشهيد احترام زملائه المدرسين."

وتصف "أم مجاهد" العلاقة الحميمة بين الجمالين بقولها: " كانت العلاقة بينهما علاقة قوية ومتينة، فكل منهما يحب الأخر حباً عظيماً، يلتقون على طاعة الله ويفترقون على محبته وطاعته، أثناء اعتقال الشيخ جمال منصور كان دائماً يزوره والإخوة المعتقلين في سجون السلطة الفلسطينية، حيث قضوا عدة سنوات في زنازين السلطة تنفيذاً لرغبة الصهاينة. وهذا مما كان يؤلم الشهيد رحمه الله، وكان دائما يعمل جاهداً مع السلطة للإفراج عنهم، وعندما حاول اليهود قصف السجن الذي كان فيه المجاهدون نادى أبو مجاهد أبناء نابلس ليخرجوا بمسيرة والاعتصام أمام سجن جنيد، وتم فعلاً الإفراج عنهم."

وتضيف: "كنا إذا أردنا أن نبحث عن أبي مجاهد نجده عند "أبي بكر" (الشيخ جمال منصور) و"أبي النور" (الشيخ صلاح دروزة) رحمهم الله، لقد تألم أبو مجاهد جداً لاغتيال الشهيد صلاح دروزة، فلم أره حزيناً في حياته مثل يوم استشهاد صلاح دروزة، وكان يقول الصاروخ الذي قتل أبا النور كأنه جاء في قلبي، واستشهاد أبي النور قسم ظهري ولم يكن يعلم أنه بعد أيام سوف يلحقه ويكون معه. "أبو مجاهد" و"أبو بكر"، لو أن واحداً منهما استشهد لا أدري ماذا سيحل بالآخر، فكان من رحمة الله بهما أن استشهدا معاً."

رحل جسدا والمبادئ راسخة

تقول "أم مجاهد" في يوم استشهاده، قبل أن يخرج من البيت تناولنا طعام الإفطار، ثم غادر المنزل، و ذهبت أنا إلى السوق، وأثناء وجودي في السوق أخذ الناس يركضون سألتهم: ما الأمر؟ قالوا: قصف في أحد المكاتب، وكان معي قريبة لي، قلت لها: استشهد جمال. قالت: وكيف عرفت ذلك؟ قلت: إحساس داخلي يقول لي: إن جمال استشهد، كان النبأ مؤلماً جداً لي وللأولاد في البداية، لم أتمالك نفسي حيث عالجوني في المستشفى، وأطلب من أقاربي ومن الناس أن يأخذوني لأراه، ولكنهم لم يستجيبوا لي، لأن الشهيد كانت إصابته في رأسه، وحتى أقاربه لم يعرفوه إلا من ملابسه. ولكن هذا قضاء الله وقدره، فالحياة الدنيا هي دار ابتلاء وليست دار نعيم، ونحمد الله أنه شهيد، والله سبحانه وتعالى أعد للصابرين النعيم يوم القيامة. والذي يؤلمني أن الناس كلهم يُودِّعون أحبتهم قبل الرحيل، ولكن نحن اقتضت مشيئة الله أن لا نودعه قبل الرحيل، ولئن رحلت عنا يا "أبا مجاهد" بجسدك، فإن صورتك وابتساماتك وكلماتك لا تزال تعيش في قلوبنا.. "أبو مجاهد": لا نقول وداعاً ولكن إلى اللقاء".

كلنا مشاريع شهادة 

لقد كان الشهيد محباً لدينه ولشعبه ولأمته، ولم يتوانَ لحظة واحدة عن العمل والجهاد، وكان محبا للشهادة والاستشهاد، ولقد ألف كتاباً عن "أحكام الشهيد في الشريعة الإسلامية"، وقد نال عليه رسالة الماجستير.

وتتحدث الزوجة المحتسبة عن عبارات الشهيد المفضلة بقولها: "من كلامه رحمه الله (كل الناس يموتون ولكن قلة الذين يستشهدون)، وكذلك له عبارة مشهورة (كلنا مشاريع شهادة).. لقد كان زوجي رحمه الله يحب الجهاد فكنَّى نفسه بأبي مجاهد وكان يعشق الكرامة.. لقد كان رحيله ورحيل إخوته الشهداء كارثة على الشعب الفلسطيني، حيث تركوا فراغاً واسعاً على الساحة الفلسطينية، فكان يوماً مؤثراً ومحزناً جداً، كان الحزن والغضب يعم مدينة نابلس كلها، وخرج مئات الآلاف في وداع الشهداء وهذا يدل على الحب والاحترام، وهذا راجع بإذن الله إلى إخلاصهم وتقواهم، فمن أحبه الله أحبه الناس."

اغتاله قتلة الأنبياء ظهر يوم الثلاثاء 31/7/ 2001 حينما استهدفت طائرة أميريكية الصنع يقودها طيار صهيوني مكتبا كان يجلس فيه بصحبة الشيخ المجاهد جمال منصور.