|
الشهيد
يوسف طلعت

يوسف عز
الدين محمد طلعت الملقب بجزار الإنجليز في القنال ، أحد
مجاهدي الإخوان المسلمين في حرب فلسطين ، والذي أعدم بعد
حادثة المنشية التي أتهم فيها الرئيس جمال عبد الناصر
الإخوان بتدبير محاولة لقتله.
الميــــلاد :
ولد يوسف
طلعت في أغسطس 1914 بمدينة الإسماعيلية ، حصل على كفاءة
التعليم الأولى، ثم عمل نجارًا، ثم تاجرًا للمحاصيل
الزراعية .
الشهيد يوسف
طلعت صانع المدافع.. الذي أعدمه الظالمون
داعية مجاهد
منذ صباه، عشق الدعوة والجهاد فكانت حياته كلها دعوة
وجهاد، وكانت خاتمتها الشهادة بفضل الله.
تعرفه على
الإخوان :
تعرف على
حسن البنا عام 1936م، ومنذ ذلك الوقت ارتبطت حياته
بجماعة الإخوان المسلمين، وكان الاهتمام في ذلك الوقت
لدى الإخوان بقضية فلسطين، وجهاد الشعب الفلسطيني،
وضرورة مؤازرته، والوقوف إلى جانبه بالدعم المالي،
وتزويده بالسلاح، وتدريب أفراده، والتعريف بقضيته
لجماهير الشعب المصري.
من مواقفه
الجهادية
-
في ذكرى وعد
بلفور سنة 1936م و كان يوم جمعة، وقف خطيبًا بعد
الصلاة يصرخ من أعماق قلبه "المسلمون نيام، وفلسطين
تحترق" وهتف مكبرًا، واندفع إلى باب المسجد، والجمع
خلفه في مظاهرة ، تندد باليهود ، وكان حدثًا غريبًا
وقتها واعتقل يوسف طلعت على
إثر تلك المظاهرة ، وكان ذلك أول اعتقال له، وأفرج
عنهم بكفالة بعد خمسة عشر يومًا، وقام أهل الإسماعيلية
يدفعون عنه وزملائه الكفالة.
-
في حرب
فلسطين قاد يوسف طلعت قافلة تحمل بالإمدادات إلى قوات
الجيش المصري المحاصرة في (الفالوجا).
-
بعد حرب
فلسطين تم نفيه في معتقل الطور مع الإخوان الذين
شاركوا في حرب فلسطين .
-
حاول جمال
سالم رئيس محكمة الشعب أن
ينال منه، فسأله: ماذا تعمل؟ فأجاب: نجار، فقال جمال
سالم: كيف تكون رئيس جهاز ( يقصد الجهاز الخاص ) فيه
أساتذة الجامعة، وأنت نجار؟ فأجاب لقد كان سيدنا نوح –
عليه السلام – نجارًا وهو نبي، فكبت جمال سالم وسكت.
أول مجاهد
دخل أرض فلسطين، وشهدت له كفار ديروم ودير البلح بطولات
وانتصارات، واختراعات أذهلت القادة والجنود، وجُرح فيها
فكانت شهادة كتبها بدمه، وخاط جرحه بيده، وواصل الجهاد،
ولما عاد أُلقي في الزنازين؛ لأنه من الإخوان المسلمين
المجاهدين.
وجاهد في
القنال، وطلب الإنجليز رأسه بأي ثمن، فقدمها لهم الطغاة
دون مقابل.
وهذه شهادات
مؤكدة، لا يرقى إليها شك، صور ووثائق للمجاهد الشهيد..
النجار العبقري: يوسف طلعت ..أحد ثمار الشجرة الطيبة..
دعوة الإخوان المسلمين.
نشرت جريدة
الأهرام المصرية يوم 31/ 7/ 1938م تقول:
" ألَّف
جماعةٌ من الإخوان المسلمين في مدينة الإسماعيلية مظاهرةً
بدأوها من الجامع العباسي إلى دار الإخوان؛ إظهارًا
لشعورهم وعطفهم نحو فلسطين، وقد اعتقل البوليس عددًا من
المتظاهرين، وبعد أن انتهت نيابة الإسماعيلية من التحقيق
معهم، قرَّرت القبض على حسن البنَّا ويوسف محمد طلعت
وآخرين، وحبسهم أربعة أيام على ذمة التحقيق".
ونشرت مجلة
النذير عدد 11/ 8/8/1938م:
وعقب صلاة
الجمعة خرج الإخوان المسلمون بمظاهرة رائعة قوية مرت في
شوارع البلد فألقت الرعب في قلوب الكافرين، وكان
المتظاهرون يهتفون بحياة فلسطين العربية معلنين تضامنهم مع
إخوتهم العرب المجاهدين، وقد جاء رجال البوليس وحاولوا
تفريق المتظاهرين ولكنهم خشوا تلك الجموع الحاشدة، فمرت
المظاهرة هاتفة معلنة حق العرب، وسارت من مسجد العباسي إلى
دار الإخوان المسلمين.
وقد اعتقل
رجال البوليس عددًا من المتظاهرين، وبعد أن حققت معهم
النيابة قررت القبض على الإخوان: "حسن حسن البنا، ويوسف
محمد طلعت، ومرسي سيد أحمد الطربي، ومحمد عبد الهادي
عفيفي، وحسن مرسي" وقررت حبسهم أربعة أيام على ذمة
التحقيق، وأفرجت بكفالةٍ قدرها خمسة جنيهات عن كلٍّ من
حضرات: "عثمان الجصي، ومحمد درويش، وإسماعيل إبراهيم،
والسيد المنياوي، وزكي المغربي، ومحمد أبو العلا، وبديوي
زناتي، وحسن محمود صادق، ومصطفى طرطور".
ويشهد له
قائد معسكر الإخوان بالبريج المجاهد كامل الشريف فيقول:
"كان ذا عقلية مبتكِرة خلاقة لا تعجز عن إيجاد حلٍّ لأي
معضلة. أذكر حين
كنَّا في فلسطين أننا غنمنا بعض قنابل المورتر من العدو،
ولم نكن نملك المدفع اللازم لها في ذلك الوقت المبكِّر من
الحرب، فوقفنا عاجزين، ولكن يوسف طلب منَّا أن نمهله
أسبوعًا، فتركناه ونحن لا ندري ماذا ينوي، وبعد أيامٍ قدم
لنا أسطوانة فولاذية مثبتة على حاملٍ أرضي، ولم تكن لمعة
دقيقة الصنع كالمدفع الأصلي ولكننا استخدمناها في ضرب
مراكز اليهود القريبة بقنابل المورتر!.
وحين وقفنا
عاجزين أمام مشكلةٍ مستعصية هي: كيف نستطيع أن نُلقي
المفرقعات على استحكامات اليهود من مكانٍ بعيد، كان هو أول
من فكَّر في صنع "راجمة ألغام" مبتكرة ساعدتنا كثيرًا على
قذف ألغامنا دون أن نتعرض للإصابات.
ويقول
الدكتور أحمد الشرباصي في كتابه (مذكرات واعظ أسير): "تعرف
إليَّ اليوم رجلٌ مفتول العضلات، أسمر اللون، حاد النظرات،
بسَّام الملامح، مهيب اللحية، إنه الأستاذ الحاج يوسف
طلعت، وهو كما عرفتُ من قدماء الإخوان المسلمين الذين
شهدوا ميلادَ الدعوة، وله حديث عذب يستفيض فيه فلا يملُّه
سامعه.
وقد قيل لي
إنه أول مصري دخل فلسطين مجاهدًا حينما بدأت كتائبُ
الإخوان المسلمين المجاهدة تزحف زحفها العجيبَ المبارك فوق
ساحة الأرض المباركة، و قيل لي إنه استطاع بفنه واقتداره
أن يصنع مدفعًا حربيًا بيديه في الميدان، فكانت أعجوبةً
استحوذت على تفكيري".
وقال الشاعر
المُجيد "عبد الباسط البنا" هذا الزجل؛ تعليقًا على صورة
الشهيد مع مدفعه بفلسطين:

آدي صورة
الأخ المسلم ياللي ظلمتوا الإخوان
بعقيدته
الخالصة اتقدِّم لحمى الدين والأوطان
دا المدفع
لو يتكلـم راح يهتف بالقـرآن
يسجـد لله
ويسلـم على فرسان الميـدان
أما أبرز
صفات يوسف طلعت فكانت بلا شك هي "الدعابة"، فهو مرح خفيف
الظل مهذب، لا تسمع منه كلمة نابية، ولا تفارقه روح المرح
في أحرج المواقف وأشدها خطورة.
كان يوماً
على رأس دورية قتال في فلسطين مهمتها القيام بأعمال القنص
ضد الحرس اليهودي في إحدى المستعمرات القريبة، وقد أخذ
يتسلل بجماعته في الصباح الباكر من حفرة إلى حفرة إلى
شجرة، حتى أصبحوا في مكان قريب جداً من مباني المستعمرة،
بحيث كانوا يرون مَنْ في داخل البيوت من اليهود.
وحينما نظر
الإخوان إلى برج الحراسة وجدوا جندياً يهودياً وفتاة من
المجندات في موقف عاطفي، وجاءت النكتة المرحة على لسان
يوسف طلعت، ولم يستطع كتمانها في هذا الموقف الخطر، فهمس
في أذن إخوانه: أتدرون لماذا يقف اليهودي واليهودية في هذا
الموقف؟ فسكت الإخوان، واستمر وهو يقول: إنهم يعرفون جيداً
أننا من الإخوان المسلمين وأننا موجودن هنا لنتجسس عليهم
ونرصد مواقعهم، فأرادوا أن يمنعونا من النظر إلى
مستعمراتهم، لأن اليهود يعلمون أن الله أمرنا أن نُشيح
بأبصارنا عند رؤية المنكر كما جاء في قوله تعالى: قل
للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ، ثم قال يوسف طلعت: نحن الآن
أكثر من أربعة شهود، ونستطيع أن نقيم الحد عليهم، ثم أمر
قناصته بإطلاق النار على رأس البرج، فوقع الفتى والفتاة
على الأرض، وحينما كان الرصاص ينهمر على رأس يوسف طلعت
وإخوانه كان لا يزال مستغرقاً في ضحكة عالية قبل أن يلوذ مع
إخوانه ببطن الــوادي..." انتهى.
أمـام
المحكمـــة
إن هذه الروح
المرحة لم تفارق الأستاذ يوسف طلعت حتى يوم كان ماثلاً
أمام المحاكمة الهزلية، التي عقدتها الحكومة العسكرية له
لتحكم عليه بالإعدام، فحين قال له جمال سالم ـ رئيس
المحكمة ـ: هل تعرف تقرأ الفاتحة بالمقلوب؟ قال يوسف طلعت:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأشار بيده إلى جمال سالم
رئيس المحكمة عند قوله "الشيطان الرجيم"، ثم قرأ الفاتحة
على الوجه الصحيح، فَكُبِتَ الرئيس.
وحين سأله:
إنت بتشتغل إيه؟ أجاب: نجار، فقال الرئيس: كيف تكون رئيس
جهاز فيه أساتذة الجامعة وأنت نجار؟ فأجاب: لقد كان سيدنا
نوح عليه السلام نجاراً وهو نبي، فكُبِتَ مرة أخرى وسكت،
وحين سأله: لماذا لا تستطيع الوقوف؟ قال له يوسف: اسأل
نفسك.
كان الأستاذ
يوسف طلعت قد تعرَّض لتعذيب شديد القساوة والوحشية، حيث
كسروا عموده الفقري وذراعه وجمجمته ولم يبق مكان في جسمه
إلا وأصيب بكسر أو جرح أو رضّ، حتى إن الأستاذ المرشد حسن
الهضيبي حين حاكمه جمال سالم تحدث الهضيبي عن التعذيب الذي
أصاب الإخوان، ونفى جمال سالم، فردَّ عليه الأستاذ الهضيبي:
اكشفوا على يوسف طلعت لتروا مقدار التعذيب الذي أصيب به
وغيره من الإخوان في سجونكم.
يقول الكاتب
اليساري أحمد حمروش في كتابه "قصة ثورة 23 يوليو" (الجزء
الأول ص 187): "في مارس 1952 ـ أي قبل قيام الحركة بأربعة
أشهرـ كانت منشورات الضباط الأحرار، تطبع بمعرفة خالد
محيي الدين، الذي كلّفه عبد الناصر، بعدم استخدام عبارة
"الاستعمار الأنجلو أمريكي" والاكتفاء بذكر الاستعمار
البريطاني، وذلك للتأييد الذي لمسه عبد الناصر من المسؤولين
الأمريكيين في المنطقة، حيث وعدوه بالمعاونة باشتراط إبعاد
الإخوان المسلمين والشيوعيين عن المشاركة في الانقلاب"
انتهى.
إن الحديث عن
يوسف طلعت وشخصيته وبطولاته يحتاج إلى كتب وليس إلى
مقالات، فهو نموذج فريد من البطولة، قلَّ أن يجود الزمان
بمثله، ومن عرفه عن قرب يعرف عنه الكثير، مما يُشرِّف هذه
الدعوة المباركة التي أسسها الإمام الشهيد حسن البنا،
وتخرَّجت في مدرستها هذه النماذج الفذّة من الرجال الذين
صدقوا مع الله في عهدهم وبيعتهم أرواحهم لله وفي سبيل
الله.
إن الذي قاد
قافلة الإمدادات للجيش المحاصر في "الفالوجة"، والذي اخترق
خطوط اليهود بكل جرأة وشجاعة هو يوسف طلعت وإخوانه، وكان
جمال عبد الناصر وجماعته من المحاصرين في الفالوجا.
لقد اعتقل
يوسف طلعت وإخوانه وهم في ميدان الجهاد في فلسطين، وأقيم
لهم معسكر اعتقال بإشراف الجيش المصري، ثم نُقلوا إلى
معتقل الطور بمصر، وحين خرج من المعتقل لم يهدأ بل ظل
يهاجم الإنجليز في المعسكرات بقناة السويس مع أخيه محمد
فرغلي والإخــوان المجاهـــدين، حتى إن الإنجلــيز وضعوا
جائزة قيِّمة لمن يعثر عليه أو على أخيه الشيخ فرغلي حياً
أو ميتاً، فما كان منه إلا أن خرج أمامهم متنكراً في هيئة
شيخ كبير السن يحمل طفلاً رضيعاً، فلم يتعرضوا له لما
يتمتع به من هدوء الأعصاب، والقدرة على تجاوز الصعاب دون
أدنى خوف أو وجل.
تأزَّم
الموقف بين الإخوان والحكومة العسكرية في يناير، وتتابعت
الأزمات، واشتدت في أكتوبر عام 1954م بعد افتعال حادث
المنشية الذي دبَّره عبد الناصر بتخطيط المخابرات الأمريكية
واقتراحها للتخلص من الإخوان، كما ذكر ذلك حسن التهامي في
مذكراته، وهو من أعوان عبد الناصر ومسؤولي المخابرات عنده،
وسمع يوسف طلعت بالحادث من إخوانه فقال على الفور: "عملها
عبد الناصر"، لأنه لو كان للإخوان صلة بالحادث، لكان يوسف
طلعت أوَّل من يعرف به، باعتباره رئيس النظام الخاص في
الجماعة.
وابتدأت موجة
الاعتقالات للإخوان بالألوف، وزُجَّ بالكبار والصغار
والنساء والأطفال، وكان حرص أجهزة عبد الناصر القبض على
يوسف طلعت، الذي يحرص على الذهاب للمساجد للصلوات حتى صلاة
الجمعة دون اكتراث، وحين ألقي القبض عليه ناله من التعذيب
من زبانية عبد الناصر، ما لا يصبر عليه إلا أصحاب العزائم
من الرجال المؤمنين الذين كانت تتقطع السياط على جلودهم،
وتُكسَّر عظامهم، وتُشجّ رؤوسهم، وتُحرَّق أجسادهم، وتُنفخ
بطونهم، ومنهم من يسقط من الإعياء، ومنهم من يلقى الله
شهيداً تحت سياط التعذيب، وكان من هؤلاء يوسف طلعت.
يــوم حزين..
وفي يوم حزين
من أيام ديسمبر 1954م دخلت مدينة الإسماعيلية مصفحتان
تحملان جثماني الشهيدين: محمد فرغلي، ويوسف طلعت، بعد
تنفيذ الإعدام فيهما شنقاً، وقد منعت أجهزة السلطة
العسكرية الناس من السير في جنازتهما، فأقفلتْ مدينة
الإسماعيلية أبوابها ونوافذها، وخيّم عليها الحزن، ووضعت
نقطة حراسة ثابتة لمدة ستة أشهر لمنع الاقتراب من قبريهما.
وهكذا قطف
اليهود و الإنجلوأمريكان ثمرة مساعداتهم التي قدموها
لصنيعتهم عبد الناصر بحصد رؤوس الدعاة إلى الله، والمجاهدين
في سبيله من أبطال فلسطين والقنال، ولكن هل نفع ذلك؟ لقد
أخزى الله جمال عبد الناصر وأعوانه في الدنيا، وسيلقى من
الله ما يستحق في الآخرة.
أما ركبُ
الدعوة الإسلامية في أرض الكنانة والعالم العربي والإسلامي
فهو في صعود والحمد لله، والدعوة باقية والأفراد زائلون،
وكلما مات سيِّد قام سيِّد.
نسأل الله أن
يتقبل الشهيد البطل الجسور يوسف طلعت، وأن يدخله فسيح جنته
مع النبيين والصديقين والشهداء، وحَسُنَ أولئك رفيقاً.
|